آخر الأخبارمقالات الرأي

أمريكا والصين.. الصراع الأخطر

استراتيجية أمريكا المعلنة من الإدارة الحالية تولي أهمية قصوى لمواجهة الصين وتصاعد قوتها المتزايد على المستوى الدولي، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، والصراع مع روسيا في حرب أوكرانيا ليس أسوأ مخاوف الدول الغربية، بل الخوف الأكبر والأطول أمداً وتأثيراً في الواقع والمستقبل هو من الصين.
واحد من أهداف الاندفاع الأمريكي الغربي لإدانة ومعاقبة روسيا على كافة المستويات بقراراتٍ وعقوباتٍ غير مسبوقةٍ هددت النظام الدولي نفسه كان تخويف الصين من التمدد وبسط النفوذ في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، والذي تعتبر «تايوان» نقطةً مركزيةً فيه، وهذه القضية تحديداً هي الأكثر سخونةً اليوم بين أمريكا والصين.
تذبذب التصريحات الأمريكية من كبار المسؤولين بين التصعيد والتهدئة تجاه «تايوان» كانت تواجه دائماً بإصرارٍ صينيٍ لا يتزعزع بأن هذه الجزيرة هي أرضٌ صينيةٌ لن تتنازل عنها تحت أي ظرفٍ وهي تستحضر «هونج كونج» وتجربتها في استعادتها، والصين من القوة بمكانٍ لا يمكن أخذ تصريحاتها ومواقفها إلا بكل الجدية اللازمة.
الهبوط الإمبراطوري الأمريكي الذي بُني على عقيدة «انسحابية» و«انعزالية» عن العالم نظّر لها «أوباما» وطبقها جرّت خسائر على أميركا لم تكن في الحسبان، فروسيا أخذت «جزيرة القرم» ولم تصنع أميركا شيئاً ودخلت عسكرياً إلى «سوريا» وبقي الموقف الأمريكي متفرجاً، وسعت نفس العقيدة الأوبامية للتصالح التامّ وغير المجدي في «الاتفاق النووي» وتناست الحاجات الملحة والأساسية للدول العربية ودول الخليج، وصمتت عن كل ممارسات الدول المارقة في العالم واتخذت مواقف عدائية ضد هذه الدول، وعندما احتشدت الأزمات الدولية وتصاعدت وجدت أمريكا نفسها وقد فرطت في حلفائها ولم تكسب أعداءها، وانحراف الرؤى السياسية والاستراتيجيات الكبرى يحدث أثراً ضخماً على كافة المستويات ويحتاج وقتاً لتتضح أبعاده وهو ما يجري اليوم في العالم، بين روسيا وأوكرانيا وفي جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ مع الصين، وفي الشرق الأوسط وصراعاته المزمنة وقيادة دول المنطقة لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي برمته وبناء أولويات وتحالفات جديدة، وفي أسعار الطاقة العالمية التي يعاني العالم بأسره منها، وفي أزمة الغذاء العالمية.
أوكرانيا دولة مجاورة لروسيا، وتايوان جزيرة مجاورة للصين، وهما تبعدان عن أمريكا آلاف الكيلومترات، والإمبراطوريات حين تتساقط أو تتراجع وتهبط فإن البداية تكون من الأطراف كما جرى ويجري على طول التاريخ وعرض الجغرافيا، وفقدان الحلفاء لا يساعد أبداً في مواجهة اختلالاتٍ في موازين القوى بهذا الحجم وهذا الاتساع.
وزير الدفاع الأمريكي قال في قمة «شانغريلا» في سنغافورة: «نشهد إكراهاً متزايداً من جانب بكين، وزيادةً مطردةً في النشاط العسكري الاستفزازي والمزعزع للاستقرار قرب تايوان» وبالمقابل صرّح وزير الدفاع الصيني بأننا «سنقاتل بأي ثمنٍ وسنقاتل حتى النهاية، هذا هو الخيار الوحيد للصين» وهما تصريحان معبران عما يعتمل تحت سطح الصراعات الدولية منذ سنواتٍ طويلةٍ وقد حانت لحظة مواجهة حاسمةٍ في حرب طويلةٍ في الماضي وستستمر في المستقبل.
الارتباك الذي تشعر به العديد من الدولة الحليفة لأمريكا حول العالم سببه تراجع الثقة في هذه الدولة الإمبراطورية العظمى، وحلفاء أمريكا حول العالم أصبحوا يفتشون عن أمنهم واستقرارهم وحماية سيادتهم بقوتهم الذاتية وبتحالفاتٍ متنوعةٍ لا تقتصر على أمريكا، فمستقلٌ ومستكثرٌ.
أخيراً، فثمة أمثلة سريعةٌ على هذا، اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية يبدون تخوفاتٍ تجاه التمدد الصيني، وأزمة «أوكرانيا» و«تايوان» ماثلة أمامهم، وبعض الدول الأوروبية بدأت تتململ من التصعيد الأمريكي ضد روسيا وما قد يسببه لهم من خسائر لا تعوّض، أما في الشرق الأوسط فالدول الحية والفاعلة بنت علاقاتٍ متوازنة مع الجميع، ولم تعاد أحداً، ولكنها نسجت تحالفاتٍ أوسع وأعمق.

نقلًا عن الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق